الناظر في تاريخ العلاقات السياسية والثقافية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط منذ العصر التاريخي القديم إلى ظهور المجتمع الدولي بالمفهوم الحديث يلمس أن الإسلام شكل تناقضا حاسما في تلك العلاقات مما جعل أوروبا تبحث منذ وقت مبكر عن سبيل للتخلص من هذا الدين الذي ملأها وشغل سكانها وقد تبين لها أن الصراع مع الإسلام صراع وجود وليس صراع حدود. صحيح أن شمال البحر وجنوبه شهد فصولا من الصراع الثقافي امتد من أوج الحضارة الفرعونية, في واد النيل في وقت مبكر, إلى أوج الحضارة الإغريقية في مدن الدول في أسيا الصغرى وشبه جزيرة البلقان, في وقت متأخر مضمونها أن الفراعنة سخروا من الإغريق واعتبروهم كلابا لا يعرفون الختان ,وسخر الإغريق بدورهم من الفراعنة الذين يترددون على المزابل لقضاء حاجاتهم ,ولم يهتدوا يوما, إلى بناء مراحيض تضمن لهم النظافة والخلوة. ونريد أن نفتح قوسا للإشارة إلى أن للمغاربة نصيبهم في ذلك, فهناك من لايزال يردد في الجنوب الشرقي المغربي رواية مفادها أن فرعون كان صامدا أمام موسى,بعون الله,حينما كان يبحث عن الخلوة لقضاء الحاجة ولما استكبر وطفق يتردد على المزابل المكشوفة ,نزل عليه سخط الله فغرق في البحر. إنهم يستشهدون بهذه الرواية وغيرها لتبرير الاستحياء والتحصين والانغلاق والاحتراز والتكتم. وفي العهد الروماني تجاوز الصراع السخرية من جهل بعض القيم ,وأصبح ذا عمق ثقافي حضاري حيث نعت الرومان شعوب جنوب البحر الأبيض المتوسط وغيرها من الشعوب التي تسكن خارج نطاق الإمبراطورية الرومانية بالبر ابرBarbare. ولم يسمح الكبرياء لزعماء الرومان وقتذاك من اعتناق المسيحية واعتمادها ديانة رسمية في وقت مبكر ولم ينتبهوا إليها حتى مضت على ميلاد المسيح 391 سنة. ولا عجب فالمسيحية ديانة ظهرت في بيت لحم بأرض فلسطين شرق البحر الأبيض المتوسط الذي لا تقل مكانته عن شمال أفريقيا في ميزان التقدير الروماني الإغريقي.ولم تنجح المسيحية في ضمان وحدة الإمبراطورية الرومانية فمع موت تيودوز Theodoseسنة 395 بعد ميلاد المسيح انقسمت وظهرت في الشرق دولة أركاديوس Arcadius, ولم يمض على الحدث سوى 60 سنة فقط حتى سمع أهل الشرق سقوط روما في يد الوندال (سنة 455ميلادية).وبعد أقل من قرنين من الزمان ظهرت الدعوة الإسلامية في الجزيرة العربية.وكل يؤكد أن سنة 610 بعد ميلاد المسيح تشكل منعطفا تاريخيا أهل جنوب البحر الأبيض المتوسط وشرقه على الخصوص ليصبح سيد الموقف مدة طويلة من الزمان, ذلك أن الظرف التاريخي سهل إلى حد ما مهمة المسلمين الفاتحين لفرض السيطرة في وقت وجيز على الضفة الشرقية والجنوبية للبحر الذي كان ينعت بالأمس بالبحر الروماني.ولم تقتصر مهمة الفاتحين على نشر الإسلام فقط بل أنشأوا دولة لا تقل تنظيما عن الدولة الرومانية في أوج ازدهارها أو الدولة الساسانية أو الدولة الإغريقية في العصرالهلنستي, ولا تقل, عنهما أيضا,في المساحة والامتداد الجغرافي, ولولا صمود جيوش شارل مارتيل Charles Martels أمام الجيوش الإسلامية في معركة بواتييه Poitiers سنة 732 ميلادية لانتشر الإسلام في وسط فرنسا.ويعنينا أن القارة الأوروبية مطوقة بفعل قوة الإسلام فلا منفذ لها في الشرق والجنوب ولا قدرة لها لاختراق بحار الشمال والغرب ومنبسط سيبيريا . ولقد زعم المؤرخ هنري بيرين في كتابه محمد وشارلمان أن ظهور الإسلام شكل بداية فعلية لانتقال أوروبا إلى العصر الوسيط لأن الفاتحين طوقوا أوروبا وفرضوا عليها الحصار فاتجهت مجتماعاتها تحت الضغط إلى التقوقع والتحجر واعتماد الأرض في الاقتصاد لتؤسس قاعدة النظام الإقطاعي الفيودالي. ومما يزكي رأي هنري بيرين أن بداية نهاية العصر الوسيط الإقطاعي بأوروبا صادف الكشوف الجغرافية التي رفعت العزلة التامة عن القارة الأوروبية والتي دشنها هنري الملاح (1394-1460), وأتمها الملاحون بارتولوميو ديازBartolemeo Diaz الذي تجاوز رأس الصالح سنة 1787 وفاسكو دو كاما الذي بلغ الهند وماجلان الذي أحاط بالأرض وكريسوف كولومبوس مكتشف أمريكا. وبالفعل ساهمت الكشوفات الجغرافية في ازدهار التجارة مع الهند الشرقية ونشأ نظام ميركنتيلي شكل أساسا لنهضة صناعية لاحقة. ومن غرابة الصدف أن أوروبا لم تنج من الضغط الإسلامي رغم تفوقها في فك العزلة بفعل السفن الشراعية العملاقة فقد صادفت بداية الكشوفات الجغرافية تأسيس الدولة العثمانية في أسيا الصغرى واستلائها على عاصمة الشرق سنة 1453 التي حملت اسما جديدا استنبول وحافظت على وظيفة العاصمة إلى يومنا هذا. واستمر الفتح العثماني في أوروبا الشرقية حتى بلغ هنغاريا الشرقية سنة 1541ولم تتنفس أوروربا دولا ومجتمعات وكنائس الصعداء حتى تحقق لها بعض النصر في معركة ليبنت Lepante سنة 1571 وبعد سبع سنوات فقط أصيبت بنكسة أخرى في معركة واد المخازن ,معركة الملوك الثلاثة سنة 1578 . وإلى جانب التطويق المفروض على اوروبا بفعل انتصار الإسلام يظهر أن للصراع واجهة ثانية.فإذا كان من الصعب الوقوف بالبيان عن كيفية زوال المسيحية نهائيا في شمال افريقيا إذ لم يفهم إلى حدود اليوم كيف حافظت اليهودية على وجودها واختفى الآثار المسيحي علما أن أتباع عيسى بن مريم استطاعوا بلوغ المرحلة الفلسفية مع سانت أوغيسطين فإن محو آثار الإسلام بالأندلس واضح في المنهج والغاية حيث صاحب سقوط غرناطة 1492 إنشاء محاكم التفتيش لاستئصال الإسلام في شبه جزيرة إيبيريا وفرض التمسيح الكلي الذي شمل المدجنين من المسلمين واليهود أعني الموريسكيون والمارانوس والذي امتد إلى عهد فيليب الثانيPhillippe 2 (1598-1556). ولقد فر الكثير من المسلمين إلى المغرب ليشكلوا قوة جهادية في مدينة سلا , لبثت تعترض سبيل السفن الأوروبية لذلك نعتها البعض بالقرصنة ,والحال أنها حركة الجهاد البحري . وفي المغرب الأوسط حركة جهادية أخرى قادها الأخوين باربروسة عروج وخير الدين بلغت ذروتها سنة 1600.ولم تنج الحركة الاستعمارية الأوروبية من الخلفيات الدينية رغم ما يقال عن علمانياتها, فقد شهد المغرب محاولات للتبشير المسيحي واعتمدت المحاكم العرفية في الحماية الفرنسية أعرافا غريبة عن وسطها لأنها تحوي ما يضرب الإسلام, و لم يتردد حاكم القدس الجينيرال البريطاني في التصريح يوم دخولها(والآن انتهت الحروب الصليبية ) و لا تزال الحروب مستمرة ضد الإسلام, وكلنا سمع عن تلك الرسوم والصور المركبة ضد الرسول.و لا يسمح هذا الحيز بسرد أمثلة كثيرة تفيد أن الصراع بين أوروبا والإسلام صراع وجود وليس صراع حدود. والغريب في هذا الصراع أن أوروبا تهاجم الإسلام والمسلمين ولا تعترف بالنبي محمد , وبالمقابل ترى المسلمين يعترفون بنبوة موسى وعيسى وينتقدون الشرك ويدعون الكل لاعتناق الإسلام فهم ضد موقف ديني لا إسلامي. ويظهر أن فتح الحوار بين أهل الكتاب أو بالأحرى بين الحضارات كفيل بالتقليل من حدة هذا الصراع إن تعذر تحويله من صراع وجود إلى صراع حدود.


